جمعه 7 ربیع‌الاول 1440 فارسي|عربي
الصفحة الرئيسية|إيران|الاسلام|اللغة الفارسیة و آدابها|اسئله و الاجوبه|اتصل بنا|الاتصالات|خريطة الموقع
العنوان
iran
کرمانشاه - المسجد التجمّعي
الدخول
اسم المستخدم :   
الرمز :   
 
Captcha:
[اشاره القبول]
NewsletterSignup
الاسم :   
ايميل (البريد) :   


  الطبع        ارسل لصديق

دورالامام الخميني في إحياء الفكر الفلسفي

 

 

دور الإمام الخميني (قدس سره) في إحياء الفكر الفلسفي

 

القسم الأول:

 

لا يمكن لصفحات معدودة أن تستوعب الحديث عن وضع الفلسفة في إيران في الوقت الراهن، ومساعي الإمام الخميني (ق) المتواصلة لطرح المباحث الفلسفية إلى جانب الفقه والأصول ودروس الحوزة العلمية الأخرى، خاصة وأن الدراسة العميقة لآثار الإمام الخميني ليست بالأمر اليسير فضلا عن أن بعض هذه الآثار لم ير النور لحد الآن.

 

لكن هذا المقال يسعى، قدر الإمكان، إلى تسليط الضوء على أفكار الإمام وآرائه في مجال الفلسفة الإسلامية وكذلك الغربية.

 

وقبل الخوض في المنزلة الرفيعة للإمام الفقيد، في ساحة الفلسفة وتاريخها المليء بالتقلبات والمتغيرات، وكذلك دور الإمام الخميني في إحياء الفكر الفلسفي في إيران بعد الثورة الإسلامية، لا بد من إلقاء نظرة ولو عابرة  على مراحل مسيرة الفلسفة في الحضارة الإسلامية.

 

قديما كانت كلمات " الفلسفة" و" الحكمة" تعني مختلف العلوم مثل الرياضيات والإلهيات والطبيعيات (الحكمة النظرية)، بينما العلوم الأخرى مثل الأخلاق والتدبير المنزلي والسياسة، كانت تصنف تحت اسم" الحكمة العلمية" مقابل "الحكمة النظرية".

 

وقد احتلت المفاهيم الفلسفية القسط الأوفر من ساحة الفكر الإسلامي، لكن هناك حقيقة يجب الانتباه إليها، وهي أن الفكر الفلسفي ليس منشأه الشرق أو الغرب، بل هو موجود منذ خلق البشرية وظهور العلاقات والروابط بين الموجودات وبدء التفكير ب" مبدأ الخلق" وباقي المفاهيم الفلسفية.

 

إن دراسة النصوص الإسلامية واللغوية – كالصرف والنحو والبلاغة والبيان – ترشد إلى أن الإنسان استخدم المنطق والفلسفة على طول التاريخ ولهذا فإن المسيرة التكاملية للعقل الفلسفي كانت لها آثار كبيرة في تنامي الثقافة الإسلامية وإغناء المباحث النظرية في الثقافة الإسلامية ولا يخفى على الباحثين التأثير الكبير للمنطق والفلسفة في أصول الفقه وخلال عملية استنباط الأحكام الشرعية.

إن كلمة " الفلسفة" يونانية الأصل وتعني حب المعرفة وهي عكس كلمة " ميسوسوفي" التي تعني " معاداة المعرفة".

 

 

 

 

 

 

 

أما الفلسفة في لغة الفلاسفة، فلها تعاريف متعددة نشير الى بعضها باختصار. فمن تعاريفها: " البحث في ماهية وحقائق الأشياء قدر طاقة الإنسان". ولعل الأفضل القول أن الفلسفة عبارة عن سلسلة قضايا تقوم على أساس البرهان والقياس العقلي وتتحدث عن مطلق الوجود والأحكام وعوارضها. الفلسفة تتحدث عن وجود الأشياء وعدمها وتدقق في الأحكام المطلقة للوجود، ولا تعطي رأيها بأحكام وتبعات موضوع خاص أو مواضيع خاصة، وهي بذلك على العكس من العلوم التي تتناول دائما موضوعا ثابت الوجود وتبحث في أحكامه وآثاره  ولا يهمها مسألة الوجود أو عدمه، بل هي تتناول وجود الشيء وكأنه أمر بديهي.

 

ويعود اختلاف الفلاسفة في تعريف الفلسفة إلى اختلاف الأسس التي يعتمدونها في مبحث أصالة الوجود أو الماهية، والمقصود بالفلسفة في هذا المقال مفهومها العام – أي العلم بوجود الأشياء وماهيتها – وبناء على الأسس الفلسفية للإمام الراحل التي هي اعتماد أصالة الوجود، فإن التعريف الثالث للفلسفة سيكون أقرب لموضوع بحثنا.

 

وللفلسفة والفكر الفلسفي في الحضارة الإسلامية تاريخ طويل وقديم مليء بالحوادث، وهو مستمر لحد الآن، وسيستمر في المستقبل أيضا.

 

وقد أدٌى طرح الأفكار الفلسفية من قبل الفلاسفة المسلمين إلى شيوع وتنامي الآراء الفلسفية أحيانا، والى أفول واضمحلال الفلسفة وإلغائها من المباحث العلمية حينا آخر.

 

ومعروف أن الفلسفة مرت بمراحلها التكاملية الأولى على يد أبي يوسف يعقوب الكندي، المعروف بفيلسوف العرب، وأبي نصر الفارابي المعروف بالمعلم الثاني، وابن سينا، وذلك خلال ازدهار حركة ترجمة العلوم اليونانية وانتقالها إلى العالم الإسلامي، ثم بلغت الفلسفة اليونانية قمة توسعها وازدهارها على يد أبي الوليد ابن رشد، وقد ساهم كل من هؤلاء في تسهيل عملية إدراك مفاهيم الفلسفة المشائية، لكن ظهور آثار مثل " تهافت الفلاسفة" للغزالي و" رشف النصائح" للسهروردي أدى إلى بروز حالة ركود فلسفي، وتوجيه ضربات ماحقة إلى الفكر الفلسفي للأجيال القادمة.

وقد أرجع البعض ظاهرة انحسار الفلسفة ومحاربة المسلمين لها آنذاك إلى ظاهرة " الأصالة اليونانية" في الفكر الفلسفي للفلاسفة المشائين، بينما هناك علوم أخرى انتقلت إلى المسلمين من اليونان مثل الطب والنجوم وغيرها، لكنها لم تتعرض لأي هجوم أو محاربة إذن فإن " الأصل اليوناني" لا يمكنه أن يكون سببا مقبولا يدفع لمحاربة الفلسفة، وهل كان آنذاك منطق غير منطق أرسطو؟ ثم ألم يؤلف الغزالي "معيار العلم" في إطار المنطق، وكان هجومه على الفلسفة وليس المنطق، فلم ينهض لمحاربة المنطق إلا أناس قلائل مثل ابن تيمية الذي ألٌف كتاب" الرد على المنطقيين".

إن من جملة الأسباب التي أدٌت إلى محاربة الفلسفة في ذلك العصر عدم معرفة العديد من المفكرين المسلمين والفقهاء بالفلسفة ومسائلها، بينما نرى اليوم تلاشي هذه الظاهرة بسبب معرفة العلماء المعاصرين بالفلسفة، فلم يعد الخائض في هذا المجال كافرا أو منبوذا في نظر العلماء. كما انتهت الحرب بين الفلاسفة والفقهاء – باستثناء حالات قليلة – ستأتي الإشارة إليها لاحقا.

 

ومن الأسباب الأخرى لمحاربة الفلسفة كانت الدوافع السياسية، فمثلا ظهر في عصر الغزالي المذهب الكلامي الأشعري واكتسب صفة رسمية، وأدى ذلك للقضاء على المذهب العقلي للمعتزلة، ويجب أن لا ننسى أن معارضة الغزالي للفلاسفة لم يكن يحمل بعدا سياسيا فقط، بل لها أيضا أبعاد ودوافع عقائدية دفعته إلى الرد على عقائد الفلاسفة بسبب ظهور بعض الفلاسفة آنذاك ممن لا يعيرون أهمية لنقل الروايات، بل إنهم يعتبرون سقراط وأفلاطون و أرسطو فوق الشريعة والدين.

إن دراسة الأسباب السالفة توصلنا إلى هذه الحقيقة وهي أن معارضة الفلسفة في الوقت الحاضر لها أبعاد مختلفة سياسية وعقائدية واجتماعية، ولا يمكن النظر إلى كل هذه الأبعاد بمنظار واحد، ولا اتخاذ موقف عام بشأنها.

 

وكان لظهور الفلسفة الاشراقية دور في تصعيد الهجوم على أركان الفلسفة المشائية، فالفلسفة الاشراقية تقوم على أساس الكشف والشهود، والفيلسوف الاشراقي يبادر إلى البحث عن البرهان بعد الكشف.

وللسهروردي – بعد ما ألف كتابه " حكمة الإشراق" – دور كبير في تكامل الفلسفة الإسلامية وخاصة العرفان النظري، ومنذ ذلك الوقت تعرضت "الحكمة الاشراقية" الى هجوم عنيف من قبل معارضي الفلسفة بسبب طرحها مسائل مثل " أصالة الوجود" وتبعات ذلك، وقد استمر الهجوم حتى جاء صدر المتألهين الشيرازي الذي رسٌخ أساس الحكمة الاشراقية بمجموعة استدلالات قوية وبراهين محكمة، فقد ظهر في عصر كان العالم الإسلامي يشهد ظاهرة انحطاط سياسي واجتماعي في جميع المجالات، حتى كان يرزح في ظلام دامس فقد عاش في عصر كانت لا تزال فيه آثار الهجمات التركية والمغولية التي أدٌت إلى تدمير المكتبات والمدارس العلمية شاخصة للعيان.

 

ومن جانب آخر عمل العديد من الفقهاء والسطجبين على محاصرة الحكماء والفلاسفة مثل محمد باقر الحسيني الاسترآبادى المعروف ب" مير داماد" والملاصدرا " صدر المتألهين"، بل بادر بعض هؤلاء إلى ممارسة الأذى  بحق الحكماء والى منع تدريس الحكمة والفلسفة في المدارس.

وقد اضطر بعض الحكماء، مثل ميرداماد، وخوفا من علماء السوء إلى وضع عباراته الفلسفية بأسلوب معقٌد وغامض لا يفهمه غير أهل الحكمة، أما الملا صدرا فكان مختفيا عن الأنظار دائما.

ومن أهم الفلاسفة في ذلك العصر:

- نظام الدين دشتكي صاحب كتابي " إثبات الواجب" و" الأمالي الفلسفية".

- أبو محمد محمود بن محمد الخضري الشيرازي.

- شمس الدين شمساي الكيلاني، صاحب كتاب "حدوث العالم".

- الملاصدرا الشيرازي، صاحب كتاب"الحكمة المتعالية" الذي سيأتي الحديث عنه.

- السيد أبو القاسم فندرسكي.

- ميرداماد، مؤلف "القبسات".

- الشيخ علي كمرهاي الشيرازي، صاحب كتاب "حدوث العالم".

- فياض لاهيجي صاحب كتاب " شوارق الإلهام".

- آقا حسين بن محمد الخونساري. صاحب حاشية على شرح الإشارات و "المحاكمات الإلهيات"، إضافة إلى عشرات الحكماء والفلاسفة الآخرين.

ومن بين كل هؤلاء كان ملاصدرا أكثر من تعرضوا لجفاء الناس وإهمالهم لهم، وقد تعرض لهجوم عنيف من فقهاء يعتبرون أنفسهم أهل الدين وعلمائه، بحجة أن ملا صدرا يقول ب"وحدة الوجود".

ويتحدث ملا صدرا عن حاله بصيغة الغائب-شارحا مظلوميته-بالشكل التالي:

" لقد أحزنه وآلمه ما يراه من أذى وجور من الدهر والأرذال، وقسوة من الناس، فقد كانت منزلته بين الناس حتى أقل من مستوى طالب علم عادي".

 

وإذا كان الأذى والحرمان والمحاربة دفعت ملا صدرا إلى الانزواء والابتعاد عن الناس والعيش في الجبال البعيدة، فإن الإمام الخميني(ق) وقف صامدا بوجه كل هذه المصاعب ولم يكتف بتجاهل كلام الجهٌال والعلماء السطجبين، بل إنه مارس عملية تحد مرير من خلال مواصلة تدريس الفلسفة حتى ازدهرت حلقته الدراسية "الأسفار".

 

ولعل من الصعب اليوم إدراك مدى صلابة وجهاد الإمام بروحه القدسية في تلك الفترة العصيبة، لأننا نعيش اليوم عصر قطف ثمار ذلك الجهاد المقدس، وتطبيق ما نادى به وتحمٌل من أجله المصاعب، ففي ذلك الوقت كان من العلماء من يمنع بقوة تدريس الفلسفة الاشراقية ويقوم بقطع رواتب الطلبة الذين يحضرون هذه الدروس، ولعل من حجج الذين حاربوا ملاصدرا- وقاموا بتكفيره ولعنه- أنه لم يكن فقيها، أما الإمام فهو فقيه متبحر وحكيم متأله مما سلب هذه الحجة من أيدي محاربيه، رغم أنه لم يظل في منأى من هجوم البعض.

 

وبعد ملاصدرا كان الفلاسفة في الغالب يقومون بشرح أقواله فقط، ليس أكثر. ومعروف أن الشيخ أحمد اللحسائي، مؤسس الطريقة الشيخية، وحامل عقيدة عالم هورقليا وبعض العقائد الغريبة الأخرى، كان متؤثرا بشدة بإنكار صدر المتألهين الشيرازي وقد قام بشرح كتاب ملاصدرا "مشاعر وحكمة العرشية"، وتكفير الملا محسن فيض الكاشاني.

 

وفي القرن الهجري الثالث عشر ظهر حكماء وفلاسفة عظماء مثل الملا عبد الله زنوزي التبريزي-المدرس في مدرسة "مروى" الدينية بطهران- والحاج ملا هادي السبزواري، والملا علي بن جمشيد نوري الأصفهاني،  وفي القرن الهجري الرابع عشر أيضا ظهر حكماء أمثال الميرزا مهدي الأشتياني، والسيد جمال الدين الأسد آبادي، والملا محمد فاضل الايرواني، والميرزا أبو الحسن جلوه الأصفهاني والميرزا محمد طاهر التنكابني، وآقا علي مدرس زنوري، والميرزا محمد رضا قمشئي، ومن القرن الخامس عشر حكماء عظماء ومجاهدون مثل الإمام الخميني(ق)، والعلامة الطباطبائي والشهيد المطهري، وتلامذتهم الذين قدم كل منهم خدماته الجليلة إلى الفلسفة الإسلامية.

 

الفلسفة في عصر الإمام الخميني قدس سره:

 

التحصيل العلمي في مدينتي أراك وقم:

 

 

 

 

بعد الانتهاء من دراسة المقدمات انتقل الإمام الخميني (ق) عام 1339 للهجرة إلى حوزة المرحوم آية الله الحائري اليزدي الدراسية في مدينة أراك، وفي عام 1340 هق نقل الحائري الحوزة الى مدينة قم، وهناك واصل الإمام دراسته.

 

وفي عام 1345 للهجرة كان الإمام قد أنهى مرحلة السطوح العالية وفق المنهج الدراسي في الحوزة العلمية، وبدأ المشاركة في محاضرات آية الله الحائري الدراسية، وعلى يد ذلك الأستاذ الكبير رسٌخ الإمام أساسه العلمي والفقهي والأصولي، وبلغ درجة الاجتهاد وفي العام 1355 للهجرة، حينما لبٌى آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري نداء ربه، كان الإمام الخميني في عداد النوابغ والمجتهدين البارزين في الحوزة العلمية بمدينة قم.

 

وعلاوة على منزلته الفقهية الرفيعة التي كان يتمتع بها، فقد برز أيضا في علوم الهيئة والفلسفة والحكمة والعرفان، ففي علم الهيئة تتلمذ الإمام الراحل على يد المرحوم الشيخ علي أكبر اليزدي المعروف بالحكيم، كما تعلم العرفان والحكمة والفلسفة  على يد العالم الجليل المرحوم الشيخ محمد علي شاه آبادي.

 

اتقان العلوم العقلية والنقلية:

 

فلما برز بين علماء الإسلام من هو بارع  في عدة فروع للعلوم، كما هو الحال مع العلوم العصرية حيث يندر أن نجد شخصا يجيد عدة تخصصات في آن واحد.

عندما يسأل أحد عن علم الأصول والفقه لدى الإمام، يجيب أصحاب الرأي بأنه أبرع من كل الأصوليين المعاصرين في هذا المجال وعند ما يجري الحديث عن مستواه العلمي في العلوم العقلية يجمع عدد كبير على أنه فارس ميدان الفلسفة والحكمة والعرفان، ويشيدون بعظمته الفكرية وقدرته على مناقشة القضايا الغامضة والمعقدة من العلوم النقلية.

 

وقلما نجد في تاريخ علماء الشيعة مثل هذه الشخصية التي برعت في كلا العلوم المعقولة والمنقولة، وعلى الأقل يعتبره عدد كبير من العلماء وأهل الرأي فقيها وفيلسوفا فريدا، فهو فقيه العصر وفيلسوف الزمان.

 

الفلسفة لدى الإمام خلال مرحلة الشباب:

 

الخطوة الأولى:

تزامنت مرحلة شباب الإمام الراحل (ق) مع ظروف اقتصادية صعبة وحساسة جدا مرت بها البلاد، فضلا عن انتشار تيارات فكرية منحرفة بعناوين التحديث والاباحية والماركسية، كما انتشرت وفي نفس الوقت ظاهرة محاربة الفلسفة من قبل بعض المغرضين ودعاة التقدس، كما كان وضع الفلسفة في الحوزة العلمية الدينية في أدنى المستويات حيث يصفها الإمام الراحل كما يلي:

 

 

 

 

"لم يكن وضع الفلسفة آنذاك بالمستوى الموجودة عليه حاليا، فكان السيد شاه آبادي رحمه الله يقول إنه عندما توفي المرحوم آقا ميرزا علي أكبر يزدي الذي كان أحد الفلاسفة الكبار وعالما جليلا ومتقيا، أراد حد الخطباء الإشادة به على المنبر، فقال عنه: رأيته بعيني يقرأ القرآن".

 

ولمواجهة هذه التيارات قرر الإمام اتخاذ إجراء جدٌي، فبادر إلى تدريس الفلسفة رغم الجو المعادي لذلك وقام بتعليم وإعداد مجموعة من التلاميذ والفضلاء ليتسلحوا بالفلسفة التي يمكن بواسطتها مواجهة الأفكار الخاوية والتيارات المعادية للدين.

 

يقول الأستاذ سيد عز الدين زنجاني:" عندما قدم الإمام إلى مدينة قم، نصحني والدي الذي كان صديقا حميما للإمام، بأن استثمر وجوده الشريف لأنهل منه علمه، فذهبت إليه وطلبت منه أن يعطينا (أنا والشهيد مطهري وعده أشخاص آخرين) دروسا في الفلسفة، فردٌ بأنه لم يجلب معه كتبه في هذا المجال، فعرضت عليه أن يعطينا دروسا في كتاب الأسفار الذي كنت أملك نسخة منه، ومنذ ذلك الحين بدا الامام رض) بتدريس الفلسفة وتدريجا ازداد عدد الفضلاء الذين كانوا يشاركون في محاضراته وينهلون من فكره الفلسفي، ثم طلب منه إليه تدريس الفقه والأصول أيضا، ومنذ ذلك الوقت ازدهر تدريس هاتين المادتين في قم".

 

وعندما سألت سيد عز الدين زنجاني عن أسلوب الإمام في التدريس قال: "كان الامام يبدأ الدرس من الخارج، ثم يقوم بمقارنتها بنصوص الأسفار".

 

وعن وضع الفلسفة آنذاك يقول سيد عز الدين زنجاني: " الإمام كان يقول بأن غالبية دعاة التقدس كانوا يقومون بتطهير الإناء الذي يشرب فيه ابني مصطفى، لكنني كنت أعلم أن الأجواء كانت أكثر توترا مما يصفه الإمام، وأنه لا ينقل إلا جانبا من ذلك".

 

لقد كان الشهيد مطهري الذي هو بحق حصلية عمر الإمام، الابن المعنوي للإمام، وقد تعلم في حلقات الدرس من الإمام أسلوب محاربة الأفكار المادية المنحرفة، وانعكس ذلك في مؤلفاته القيٌمة التي دافع فيها عن الإسلام بأفضل وجه.

 

لقد ركٌز الإمام-كخطوة أولى- على تربية تلاميذه في الفلسفة من أجل إشاعة الفلسفة وباقي العلوم والمعارف الإسلامية  وهذا نفس النهج الذي اتبعه جده العظيم، النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي اهتم بإعداد نخبة من الكوادر، فبعد ثلاثة عشر عاما من الدعوة وتحطيم الأصنام كان بحاجة إلى كوادر يمكنها إقامة حكومة إسلامية ونهضة يكونون هم أركانها.

 

وقد اتبع الإمام الخميني نفس هذا النهج، وقد جاء في كتاب " نهضت الإمام الخميني": " بدأ الإمام الخميني تدريس الفلسفة ولم يكن قد جاوز السابعة والعشرين، ولكنه كان يبذل حيطة ودقة كبيرتين في اختيار تلامذته والكتب التي يقوم بتدريسها وكان يولي أهمية كبيرة في أن يكون من يحضرون درسه الفلسفي هم من الناضجين والفضلاء وأصحاب الخبرة والاعتقاد الكامل بالفلسفة.

 

 

 

ومع كل ذلك كان يعمل امتحانات دورية شفهية وتحريرية لكل من يشترك في محاضراته- ليتمكن من مراقبة التلاميذ- وعندما كان يلاحظ عدم استعداد أحدهم لتلقي هذا العلم، كان يمنعه من حضور درسه، ولو صادف أن شاهد خلال إلقاء الدرس أناسا غير لائقين لتلقي الفلسفة، التي قد تؤدي بهم إلى الانحراف كان يتوقف عن الإلقاء ويغادر المكان.

والى جانب دروس الفلسفة كان يخص بعض تلامذته الذين يطمئن لهم بدروس خاصة في علوم العرفان

 

كفاح الإمام:

 

في مقدمة كتابه "كشف الأسرار" يقول الإمام الخميني(ق):

"في هذه الأيام التي تتسع فيها نار الفتنة في العالم، ويملأ دخانها الأسود عيون البشر في كل العالم، الذين بدأوا يفكرون تجنيب بلدانهم وأنفسهم من هذه النار، وينأون بأنفسهم وبلدانهم بعيدا عن فتنة الحرب المدمرة (الحرب العالمية الثانية) وقد كانت الدول الإسلامية تعاني بسبب هذه الحرب مصاعب ومآسي، دون أن تحقق أية فائدة منها.

 

والأفضل لأبناء هذا البلد أن يفكروا بسعادتهم وإخوتهم وأن يصبحوا صوتا واحدا بحثا عن مخرج في هذه الأيام السوداء، أو على الأقل البقاء بعيدين عن هذه الفتن والمفاسد في هذه الفترة العصيبة، لئلا يساهموا في زيادة مآسيهم.

 

وللأسف فإننا نرى هذه الأيام العديد من عديمي العقل يبذلون كل مساعيهم لإثارة المفاسد والفتن وتفريق الكلمة وضرب أساس المجتمع.

 

إن العالم الملتهب يندفع اليوم مضطرا إلى الدين ليستمد منه القوة المعنوية، إن بعض كتٌابنا يشنون هجوما على الدين والالتزام الديني والعلماء- دون أن يكون لهم هدف سوى إثارة الفتنة – غافلين عن أن إبعاد الناس عن الدين يعتبر اليوم جريمة كبرى تساهم في إبادة الدول الإسلامية.

 

ولم نكن ننوي الخوض في هذه المسائل كثيرا، لأن تضييع الحقوق والانحرافات التي تملأ كتاب " أسرار الألف عام" وباقي الكتب الصغيرة، وقد رأينا وجوب توضيح بعضها، ليعرف القراء مصدر الفساد والمآسي التي تعانيها البلاد والشعب، علٌ البعض يفكر بالبحث عن حل لذلك، وليعلموا: أن الأقلام التي تستخدم ضد العلماء إنما تساعد في تدمير البلاد واهتزاز أركان استقلالها.

 

ويوضح الدكتور رضا داوري ظروف تلك الفترة واتساع ظاهرة الابتعاد عن الدين فيقول: "الأخطار التي كانت محدقة بالدين، كانت تأتي من جانب الفكر المادي بشكل كبير، وحتى أنه يمكن القول أن المادية كانت في عداد الأخطار الكبيرة، وقد أدٌى ذلك إلى اتساع نطاق ظاهرة الانسلاخ من الدين، الأمر الذي كان يدفع الكثيرين إلى أحضان الفكر المادي والشيوعي، هذه الظاهرة، رغم أنها كانت محلية أو إقليمية، إلا أن جذورها كانت غربية تماما.

 

 

 

ويعود أصل تلك الظاهرة إلى الفكرة التي نشأت في الغرب حيال الإنسان والتي تقضي بأن الإنسان هو صاحب الحياة والمستقبل وكل شيء مرهون بسياسته وتدبيره.

 

لقد تجلت آنذاك كل مظاهر تلك الموجة في السياسة والعلاقات والروابط الاجتماعية في أنحاء العالم وفي بلدنا، برزت ظاهرة التصدي للدين ومعارضته تحت عناوين التجديد والتطور واجتياز مرحلة القرون الوسطى واحياء المفاخر القومية واستعادة المجد التليد السابق.

 

وكانت بعض حالات المعارضة للدين تتم بشكل صريح والبعض الآخر على شكل نقد وإصلاح وإرشاد. وقد تعرض الإسلام منذ ظهوره  وحتى اليوم لهجمات عديدة وتكبد خسائر كبيرة من داخله، ومن أفراد كان لهم نفوذهم داخل الجسم الإسلامي، إذ سعوا إلى تهديم الإسلام  في أسسه  بشتى الوسائل، فقد كانوا يقومون أحيانا  بخلط الدين بالشرك والضلال تحت ستار ترسيخ الدين وتقويته، واستمر الحال على ذلك مدة طويلة حتى تنبه جمع من علماء الدين إلى هذا الخطر.

 

وعموما فإن عملية جمع الأضداد هي من سلوكيات الجهلة والمغرضين، فأفكار وآراء الكاتب الإيراني المنحرف المسمى " كسروي" لم تكن تملك أية أهمية بحد ذاتها، بل كانت مجموعة أحاديث ومواضيع سطحية وتقليدية، إلا أنها ساهمت في توسيع ظاهرة ما يسمى بالتجديد آنذاك، وقد لا يكون هناك أي شخص يهتم بمضمون ما كان يطرحه " كسروي"، أو حتى لا يرى أنها تستحق الرد، إلا أن المهم هو شيوع ظاهرة السطحية في التعامل مع الدين مهدت الطريق أمام الهيمنة الاستعمارية، فأينما كانت هذه القوى تعجز عن إشاعة ثقافتها، كانت تلجأ إلى عملية "والعصرنه" و"التجديد"، بحيث تكتسب التبعية للغرب وثقافته غطاء دينيا.

 وفي إيران طرح "كسروي" وآخرون أفكارا مشابهة لأفكار الوهابية، فآراء كسروي كانت خليطا من "التنور الفكري" المبتذل للقرن الثامن عشر في أوروبا وبعض الأفكار الوهابية التي كانت تعرف على أنها "الدين الحقيقي" ولم تستطع هذه الأفكار التأثير في أحد، أو أنها تركت آثارا عكسية.

والى جانب كسروي ظهر أشخاص آخرون أطلقوا باسم الإسلام والتشيع أفكارا شبيهة بتلك التي تطلقها الوهابية، ولأن هؤلاء كانوا يتحدثون باسم الدين، فقد كان من الممكن أن يصبحوا مصدر خطر وفساد كبيرين وقد تصدى لهذه التيارات المضللة الإمام الخميني في كتابه "كشف الأسرار" الذي جاء ردا على كتاب "إسرار الألف عام" وعدة كتب أخرى .

وعند ما صدر كتاب "أسرار الألف عام" ولأن محتوياته كانت تتعلق بمسائل عقلية، فقد اتصل علماء قم ومراجعها بالإمام الخميني الذي بادر إلى الرد على الكتاب، رغم أنه كان يعاني من مرض في عينيه.

إن براعة الإمام الخميني ومهارته التي يقل نظيرها في العلوم العقلية والبحوث وفي متابعة القضايا الفلسفية والعرفانية المعقدة جعلته أستاذا ونموذجا فريدا في العلوم العقلية في الحوزة العلمية الدينية في مدينة قم، وقد اتجه إليه عدد كبير من العلماء والفضلاء لينهلوا من علمه الغزير، ويمكن القول أن غالبية العلماء والمفكرين الذين برعوا واشتهروا في الحوزة العلمية في مجال العلوم العقلية هم من تلامذة الإمام الخميني.

 

الإمام والرد على الشبهات العقلية في الحوزة العلمية:

تخصص الإمام في العلوم العقلية أدى به إلى أن يبادر، وهو في عنفوان شبابه، إلى الرد على الإشكالات والشبهات العقلية التي تثار حول الإسلام في إطار الحوزة العلمية، فكان يقصده كل من يتوجه إلى قم سعيا وراء إيجاد حل لإشكالات واتهامات دينية معينة، رغم أن مدينة قم كانت مليئة بالعلماء والمفكرين من الطراز الأول.

وفي عام 1964م قصد قم شخص أصيب باختلال في عقيدته وإيمانه بسبب شبهات ركزها في ذهنه بعض المغرضين، وهناك أرشدوه إلى الإمام الخميني ليصل منه إلى الحقيقة، وقد أولاه الإمام  الخميني ليصل منه إلى الحقيقة، وقد أولاه الإمام اهتماما فائقا، بحيث أنه عطل دروسه لمدة ثلاثة أيام، ليتفرغ لعملية إقناعه وحل الاتهامات التي ظهرت في ذهنه، وبالفعل استطاع حل كل ذلك، وأنقذ هذا الشخص من السقوط العقائدي والضلال، وأرشده إلى طريق الحق والحقيقة.

ومن حلقة الإمام الخميني الدراسية الفلسفية، تخرٌج جمع كبير من الأساتذة الكبار الذين قدٌم كل منهم خدمات جليلة لدنيا  العلم والمعرفة والفلسفة، وبعد ظهور علماء آخرين تولٌوا مهمة تدريس الفلسفة في قم، اتجه الإمام رحمه الله إلى تدريس الفقه والأصول وإعداد المئات من العلماء والمجتهدين.

وقد أثمرت هذه الجهود الجبارة التي بذلها، إلى جانب جهاده الطويل والدؤوب، إلى انهيار النظام البهلوي وظلمه، بالشكل الذي نراه الآن.

 

الفصل الثاني

 

الفلسفة في منظار الإمام الخميني قدس سره:

أ- الفلسفة اليونانية:

يتخذ الإمام رحمه الله موقفا معتدلا من الفلسفة اليونانية، فمن جانب كان يعتبر أرسطو واضع أسس علم المنطق وأن خدماته لعلم الفلسفة والمنطق تدل على عظمته، فهو يقول:" أرسطو بن نيقوماخوس من أهل اسطاجرا، وهو من عظماء الفلاسفة في العالم، إليه يعود الفضل في وضع أسس التعاليم المنطقية واشتهر بأنه المعلم الأول، حتى أن الشيخ الرئيس ابن سينا انحنى أمام هذا الرجل العظيم، وحسبما قال، فإنه لم يجد في القواعد المنطقية التي وضعها أرسطو أي إشكال، وأن آراءه القوية لم تتعرض للنقض أبدا".

ومن جانب آخر، أشاد الإمام الخميني بالفيلسوف الإلهي اليوناني أفلاطون، فهو يقول عنه: " انه يملك آراء قوية في باب الإلهيات ، بحيث أن الحكيم الاشراقي الشيخ شهاب الدين والفيلسوف الإسلامي الشهير صدر المتألهين قاما بالبرهنة والإثبات لتلك الآراء كقوله بالمثل الأفلاطونية ومثل المعلقة".

ورغم اعتراف الإمام الخميني بفوائد الفلسفة اليونانية، فإنه لا ينسى الخدمات التي قدمها الفلاسفة المسلمين فيقول:

"إن البعثة أوجدت تحولا علميا عرفانيا في العالم، بحيث أنها غيرت تلك الفلسفة اليونانية الجامدة التي ظهرت على أيدي اليونانيين رغم قيمتها و أهميتها، إلى عرفان عيني وشهود واقعية لأرباب الشهود".

وبعد أن يوضح الإمام الخميني منزلة القرآن الكريم الرفيعة وكيف أنه يرفع الإنسان من مرحلة الإثبات إلى مرحلة الشهود والمعرفة القلبية، يقول "لولا القرآن، لظل باب معرفة الله مغلقا إلى الأبد، أما الفلسفة اليونانية فهي باب آخر، له بحد ذاته قيمة كبيرة، لأجل أن تقوم بالإثبات بواسطة الاستدلال وليس المعرفة".

وعلى هذا، فإن الفلسفة اليونانية لها قيمتها الدنيا، لأنها تعتمد البيان واثبات المعارف الإلهية والحقائق، وقيمتها هي في مجال إثبات الوقائع وليس في مجال الشهود والإدراك والمعرفة القلبية للحقائق.

ب- الفلسفة الغربية:

بعد هذا التفصيل تتضح لدينا نظرة الإمام للفلسفة الغربية أيضا، فمن جانب يهاجم الإمام فلسفة "ديكارت" ويعتبرها خاوية في باب الإلهيات وما وراء الطبيعة، ويلوم المسلمين لاستسلامهم للفلسفة الغربية، ويوضٌح أن كثيرا من الناس اعتقدوا أن تقدم بلد معين في مسيرته الطبيعية يعني أنه سيكون متقدما في سير الحكمة الإلهية أيضا، ومن جانب آخر نراه يشير إلى نظرية "ديكارت" حول إثبات بقاء الروح بعد الموت.

هذا الموضوع بحد ذاته يوضح أمرين، الأول: السعة الفكرية والمعلوماتية للإمام قدس سره في مجال الفلسفة الغربية، والثاني: أن آراء الفلاسفة الغربيين تحظى بأهمية كبيرة لدى غالبية القراء وأن إثبات مسألة بقاء النفس بعد الموت ومن لسان أحد الغربيين يكون أكثر قدرة على إقناعهم.

وعلى هذا، فإن دراسة آثار فلاسفة الغرب وباقي المفكرين في العالم، وفي كل زمان أمر ضروري للحوزات العلمية والمراكز الجامعية، لكن يجب الانتباه الى أن عليهم ترسيخ أسسهم الفلسفية والعقائدية مثل الدخول في المباحث الفلسفية التي قد تحوي مغالطات خفية، كما يجب على الأساتذة الذين يقومون بتدريس الفلسفة، أن يكونوا ملمين بخفايا المسالك العقلية ورموز وأسرار الدراسات الفلسفية القديمة والجديدة.

وإضافة إلى ذلك، فإن على الذين يريدون البدء بهذا الطريق أن يستفيدوا من الكنز الفلسفي الإسلامي الذي هو نتاج مئات السنين من الجهود المضنية والدؤوبة للعلماء والمفكرين الإسلاميين ليمكنهم ذلك من تحاشي أضرار الفلسفة الغربية وباقي المدارس الفلسفية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى العديد من النظريات التي طرحت بقوالب جديدة.  مثل "الكلام الجديد" و "المعرفة"، إذ يعتقد كاتب المقال أن طرح نظريات جديدة في باب العقائد على مستوى الجامعات ومن هناك تأخذ طريقها إلى المجالات العلمية قبل أن تخضع للتنقيح والإثبات أمر مضر ويحمل الكثير من الأخطار، كما أن القول بأن الكتب المؤلفة في باب الكلام الإسلامي معدودة ومحصورة بكتب مثل "شروح تجريد الاعتقاد" و"شرح المواقف" و"الباب الحادي عشر" وشروح ذلك وأنه يجب فتح أبواب جديدة في هذا المجال، إنما يعني قصورا في الاطلاع  ودراسة الآثار الغنية للمفكرين الإسلاميين، فهل فكر هؤلاء بإحياء مئات الكتب الكلامية الإسلامية، التي يقول عنها الإمام الخميني قدس سره أن غالبيتها تقوم على عقل واستدلال راسخين، إضافة إلى مئات الكتب الفلسفية التي انفق المفكرون الإسلاميون سنوات من عمرهم الثمين في مباحث مثل "الوجود الذهني" وتعريف العلم وتبعاته؟ هل فهم هؤلاء الأسس العقائدية للإسلام كما بينها مفكروها، وهل شرحوها للآخرين؟ هل فكر أحد من الحريصين بإحياء الفكر والتراث العقائدي والفلسفي وتقديمه إلى الأوساط  العلمية في العالم الإسلامي؟ وهل يمكن اعطاء رأي علماء الإسلام النهائي حول موضوع معين من خلال كتب معدودة؟ وهل اطلع الباحثون على كتب الشيعة الكلامية الأولى مثل "الياقوت" للنوبختي، لكي يدعوا فتح باب جديد في علم الكلام؟

لا نريد هنا الحديث عن خلاف المتكلمين والفلاسفة، أو القول بأن قيمة الكلام هي نفس قيمة الفلسفة، لكن يجب الانتباه إلى أن الكلام الإسلامي يملك قدرا كبيرا من الأهمية، لكن يجب إجراء التعديلات على بعض المباحث والاستفادة من آراء الفلاسفة في مباحث الفلسفة بمعناها الأعم، ولا يمكن للنواقص الموجودة أن تحط من قيمة الكلام والمباحث الاعتيادية.

يرد الإمام الخميني على الذين يتهمون علماء الإسلام بتجاهل حكم العقل بقوله:"ألم يقم أهل الدين بتأليف كل هذه الكتب الفلسفية والكلامية وخاضوا في آلاف المسائل الفلسفية والكلامية على أساس نور العقل؟ ألا يرون أن عظماء الدين جعلوا العقل أحد الأدلة الرئيسية في المسائل الفقهية؟ إن العقل هو أساس الفلسفة وأغلب مسائل الكلام والكثير من مسائل الأصول".

وقد يكون عتبنا على أولئك الذين فقدوا ذاتهم واتبعوا الفلسفة الغربية، والذين لا يعيرون الأسس العقائدية الإسلامية ذلك الاهتمام الذي يعيرونه للأسماء الرنانة لفلاسفة الغرب والمصطلحات الغربية ويخاطب الإمام الراحل هؤلاء بالقول: "لو نظرنا إلى الكتب التي ألفت خلال السنوات الخمسين الماضية لرأينا أن أصحابها يستشهدون بالآراء الغربية فيأتون باسم أحد فلاسفة الغرب مثلا ليؤكدوا ما يريدون قوله".

ويستطرد الإمام في كلامه:" إن فلاسفة الغرب هم بحاجة الآن لأن يتعلموا من فلاسفة الشرق".

ويمكننا القول أن ليس جميع المباحث الفلسفية الغربية عديمة الفائدة، فقد ساهم المفكرون الغربيون بقسط كبير في تطوير وإنضاج العديد من المسائل الفلسفية التي لم تكن موجودة في الفلسفة الإسلامية، لكن القضية هي أن فقدان الذات مقابل الفلسفة الغربية يجعل جميع الكنوز الفكرية والعقائدية الإسلامية ومئات الكتب الفلسفة القيمة التي لم يتم إحياء حتى واحد بالمائة منها بلا أية قيمة في نظر هؤلاء.

 

ج- الفلسفة الإسلامية:

1- الفلسفة المشائية:

يتحدث الإمام الخميني عن حال وكيفية تأليف ابن سينا فيقول:

"الشيخ الرئيس أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا، من أهل بخارى، حياته وأسلوب تحصيله العلمي وتأليفاته قصص مليئة بالعجائب التي تحيٌر العقل، فكتاب "القانون" ألفه عندما كان في السادسة عشر من عمره فكلما نقل و يقول هو: عندما بلغت الرابعة والعشرين أصبحت أعتقد أنه ليس في الدنيا علم لا أعرفه.

ويقال : إن إلهيات وطبيعات "الشفاء " كتب منها كل يوم خمسين صفحة دون مراجعة لأي مصدر".

وفي أحاديثه وخطاباته كان الامام دائم التأكيد على انسلاخ المسلمين عن ذاتهم وثقافتهم وكنوزهم العلمية وانبهارهم بالثقافة الغربية، وكان يستشهد بابن سينا دائما، فمثلا قال خلال حديثه في جمع من مسؤولي إدارات التربية والتعليم عام 1979: " الدول الشرقية كانت يوما في عداد الدول المتطورة، ونحن الذين أوصلناها إلى هذا الحال، الغربيون أيضا أوصلونا إلى هذا الحال، لعل كتب ابن سينا تدرس اليوم في جامعاتهم، يستفيدون منها أما نحن فقد تخلينا عما كنا نملك وعجزنا عن أخذ ما يملكه هؤلاء".

إن الفلسفة المشائية والمنطق الأرسطوي هي منشأ جميع التغييرات الكبرى في الثقافة والتحضر الإسلاميين، فالفارابي وابن رشد ساهما كل من موقعه في تبيين وشرح هذين العلمين القيمين.

لقد أخذ المسلمون دور الشارح والمفسر للمنطق الأرسطوي، أما في الفلسفة فكانوا من جانب شارحين، ومن جانب آخر مبدعين لأفكار جديدة خاصة في المباحث الفلسفية بالمعنى الأخص، وكذلك الإلهيات، وهنا مسافة بعيدة جدا بين المباحث المطروحة في الفلسفة الأرسطوية والفلسفة الإسلامية، وحتى الفلسفة المشائية، وفي هذا الصدد يقول الامام: "عندما تلاحظون الفلسفة الأرسطوية التي قد تكون أهم الفلسفات قبل الإسلام، ترون أن فلسفة أرسطو بعيدة بشكل كبير عن الفلسفة التي ظهرت بعد الإسلام بعد السماء عن الأرض، رغم أهمية الأولى ورغم أن ابن سينا يقول: أنه لم يستطع أحد حتى الآن المساس بمنطق أرسطو أو إضافة شيء عليه، لكننا نلاحظ في نفس الوقت فرقا كبيرا بين الفلسفة الإسلامية وفلسفة ما قبل الإسلام"

 

2-الحكمة المتعالية:

وهي الطريق الوسطي بين الفلسفة المشائية والاشراقية، وقد طرحت لأول مرة من قبل الملا صدرا،أما الإمام فيقول عنها: "كان محمد بن ابراهيم الشيرازي أكبر الفلاسفة الإلهيين ومؤسس القواعد الإلهية ومجدد حكمة ما بعد الطبيعة، انه أول شخص أقام المبدأ والمعاد على أساس واحد راسخ لا يتزلزل، وأثبت أن المعاد الجسماني بالبرهان العقلي، وأوضح الخلل الذي كان لدى ابن سينا من العلم الإلهي، وآلف بين الشريعة المطهرة والحكمة الإلهية، وبعد دراسة عميقة أدركنا أن كل من ينتقده إنما بسبب قصوره وعدم إدراكه للمباحث العالية التي يطرحها، نعم، فإن الدخول في مواضيع معقدة تقوم على أساس أصول عديدة و متفرقة دون استعداد كاف لهذا الأمر، ينتج عنه سوء الظن بالدين والحكمة إلى الحد الذي يفهم فيه طعن ملاصدرا بالأشاعرة والمعتزلة، على أنه هجوم على الدين ورجاله، كل ذلك بسبب عدم إدراك ما يقصده ملاصدرا.

 

ظهور المذهب الإخباري وتصدي الإمام له

في رسالة إلى الزعيم السوفيتي غورباتشوف يطالبه الإمام الخميني بدراسة آثار صدرالمتألهين الشيرازي(ملاصدرا) ومحي الدين بن عربي والتدقيق في مضامينها بهدف إصلاح الوضع في الاتحاد السوفيتي، رغم أن الامام يدرك جيدا أن المشكلة الأساسية للوضع في الاتحاد السوفيتي ليست الاقتصاد إنما هي الإلحاد وإنكار وجود الله.

إن أهل التحقيق والبحث يعلمون أن الحكمة المتعالية لملاصدرا والنهج العرفاني لابن عربي ليست خالية من الأخطاء والنواقص، كما هي جميع آثار البشر غير المعصومين، ولسنا هنا في صدد الحديث عن ذلك إنما نتسائل: هل يمكن استخدام القرآن والحديث في التصدي للفكر الماركسي الذي يقوم على أساس الفلسفة الديالكتيكية الجامدة، وتضادات هيغل؟ وهل أن فلسفة ملاصدرا وعرفان محي الدين مضادتان للقرآن؟

ولا أريد هنا القول أن جميع أفكار وآراء هذين العالمين منسجمة مع القرآن والسنة، بل إن النقاط الايجابية في آثارهما لا تتعارض مع القرآن أبدا، بل لا طريق أمامنا لمحاجة منكري وجود الله، ومعارضي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غير استخدام البرهان والشهود.

وعلى هذا، فإن الشبهات التي يطرحها بعض المتحجرين على رسالة الإمام واضحة، فهؤلاء الذين قالوا: لماذا لم يستشهد الإمام الخميني في رسالته بالإمامين الباقر والصادق عليهما السلام بدلا من ملا صدرا ومحي الدين؟ لقد رد على هذه الإشكالات الواهية الهشة عظماء مثل وحيد البهبهاني والشيخ مرتضى الأنصاري.

 إن هذا النمط من الفكر والنهج المتحجر في الأصول العقائدية يشبه تماما مسلك الإخباريين الذين يرون أن مسلك الأصوليين والمجتهدين معارض لمسلك أهل البيت، وقد انتشر هذا المسلك في الحوزات العلمية منذ سنوات طويلة ، وقام بعض المغرضين ولأهداف سياسية بنشر هذه الشبهات في أوساط المجتمع ، ليدفعوا المجتمع إلى الاتجاه الوهابي يقوم على أساس اتباع الحديث والسنة وإلغاء الفكر والعقل، بل أنهم يقبلون التشابه الظاهر في الآيات، الذي يتعارض مع الأصول العقلية ولهذا فإن هذا المذهب يعادي كل المذاهب الإسلامية بما فيها المذاهب الفقهية والكلامية التي تقوم على أساس الفكر والعقل والاجتهاد الذي اضطلع به العلماء والمفكرون الاسلامييون طوال الألف وأربعمائة سنة الماضية، بل انه يعتبر كل ذلك بدعا ومن جانب آخر، فإن الوهابية تعتقد بالطاعة والتسليم المطلق للحاكم وولي الأمر ولا تجيز توجيه نقد له أو لنهجه السياسي، ولا تجيز معارضة الحاكم حتى ولو كان حاميا للمصالح الأمريكية.

لقد نجح الجواسيس المتعاقبون للاستعمار خلال القرنين الأخيرين في اكتشاف مسلك جامد يعارض الفلسفة والكلام وأي شكل من أشكال الرأي واللجوء إلى العقل، انه المسلك الإخباري الذي وجد فيه المستعمرون ضالتهم، ليعمل إلى جانب المسلك الوهابي، ولكنه يختلف عنه بأنه يعمل في أوساط الشيعة.

ويقوم هذا المسلك على أنهم يعتبرون الاجتهاد أو الأحكام العملية التي تملك كتاب الجواهر وكتب الأصول أمثال سائل الشيخ الأنصاري وكفاية الأصول للآخوند الخراساني، بل إنهم يعتبرون حتى كلمة "اجتهاد" أو مجتهد بدعة، ويرى هؤلاء أنه لا يحق للفقيه أن يتخطى ظواهر أهل البيت عليهم السلام، كما يرون أن إعمال الرأي والتمسك بعلم الأصول في البحوث المعقدة إنما يشبه عملية القياس لأبي حنيفة، ولذلك يجب عدم استخدامها وعدم اللجوء إلى حل المسائل الجديدة بالرأي والعقل، بل باستخدام الظواهر والروايات، وأينما وصل الإنسان إلى طريق مسدود فعليه بالاحتياط.

ويقول أتباع هذا المسلك في أصول العقائد علينا ترك الكتب الكلامية وقبلها الفلسفية، لأن محتوياتها من صنع الفكر البشري، وأن أهل الفلسفة والكلام إنما أوجدوا نهجا فكريا مقابل مدرسة أهل البيت، ويجب القضاء على هذا النهج.

وقد ظهر ما يشبه هذا الكلام، ولكن بشكل أكثر اعتدالا بين المحدثين الشيعة في القرنين الثالث والرابع، لكن علماء كبار مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي وآخرين تصدوا له وحالوا دون انتشاره، وفي العهد الصفوي تم إحياء هذا النهج ثانية، لكن الهجوم العقائدي العنيف الذي شنه وحيد البهبهاني وتلامذته مثل كاشف الغطاء وبحر العلوم وملا مهدي النراقي وآخرون أدى إلى دفع هذا الخطر عن الحوزة.

ورغم أن المسلك الأخباري قد تلاشى اسميا وأصبح الآن مقتصرا على أقلية صغيرة جدا في بعض المناطق في إيران والعراق والحجاز فلا أحد ممن يتبنون هذا المسلك يرضى أن يقال عنهم أنهم إخباريون، بل إن هذا التيار المنحسر يعرف  اليوم باسم الدفاع عن الولاية وأخبار أهل البيت.

ويوجد بين طلاب ومدرسي الحوزة الدينية أشخاص يتبنون هذا المنهج الفكري ويتخذون موقفا معارضا للفلسفة والكلام والكلام الذي يتبنونه مستمد من الروايات، ولكنهم لا يسمونه كلاما، وهناك فرق كبير بين تلك البحوث وكلام الشرح التجريدي.

وقد تبلور هذا المسلك من الحوزات العلمية خلال العقود الأخيرة وأصبح مرة أخرى نهجا فكريا.

ولو كان لمعارضي الفلسفة والكلام بعد علمي صرف في الماضي، فإنه اكتسب الآن بعدا سياسيا ذلك أن الثورة الإسلامية انبثقت من بين العلماء والمفكرين والفلاسفة والعرفاء والمجتهدين الشجعان.

 

دور الإمام الخميني (قده) في إحياء الفكر الفلسفي

 

القسم الثاني:

ما كتبه المفكرون الاسلاميون حول الأبعاد المختلفة لشخصية الامام الخميني، ما هو إلا جانب من حقيقة ذاك البحر الواسع الذي ينهل من علمه غوّاصو العلم والمعرفة، كلاّ حسب قدرته.

لقد برع الإمام الخميني في مباحث الفلسفة المشائية والحكمة المتعالية لدرجة أنه كان يضمنها في أحاديثه وكتاباته بأسلوب مبسط وبدون أي تكلف، حسب المكان الذي يتحدث فيه، وحتى لو كان المستمعون من الناس العاديين الذين لا يفقهون المصطلحات الفلسفية، فإن أسلوب الإمام يجعلهم يستوعبون ما يطرحه من مفاهيم فلسفية بدرجة كبيرة.

وهذا البحث مساهمة متواضعة للخوض في البعد الفلسفي لشخصية الإمام الخميني (قده) ودوره في إحياء الفكر الفلسفي في إيران، وكلي أمل في أن يبادر المفكرون الأفاضل إلى إكمال ما فيه من نقص.

وفي الجزء الأول من هذا البحث قلنا إن أفكار صدر المتألهين المعروف ب"ملاصدرا الشيرازي" مؤسس الحكمة المتعالية لم تستقطب الأنظار ولم تحظ بالاهتمام اللازم لا في عصره ولا في عصر تلامذته.

لقد عاش الملاصدرا(979-1050ه.ق) في عهد الشاه عباس الصفوي، ولم يتمتع آنذاك حتى بمقام طالب علم عادي، إذ أن ذلك العهد شهد نفوذ علماء الشرع بشكل لم يسمح لأفكار الملاصدرا الفلسفية بالانتشار، وإذا كان العهد ألصفوي قد بدأ بنهضة عدد من الصوفيين، إلا أن الصوفية واجهت انحسارا بسبب اتساع نفوذ علماء سطحيين ومعارضتهم للأفكار الفلسفية والصوفية بل و تصديهم حتى لأهل الاجتهاد وقد بلغ هذا التيار ذروته بتكفير صدر المتألهين وهجرته للحوزة العلمية والتجائه إلى مناطق جبلية.

وقد استمر هذا الوضع المتدهور حتى مائة وخمسين عام بعد وفاة الملاصدرا، حتى جاء عصر الملا علي نوري وتلامذته أمثال الملا جعفر لاهيجي والملا اسماعيل درب كوشكي اصفهاني والميرزا حسن نوري، والسيد رضا لاريجاني، حيث كانت كتب الفلسفة الأساسية هي كتب الملاصدرا، وعلى أي حال فإن الفلسفة وخاصة الحكمة المتعالية للملاصدر ظلت عرضة لهجوم الكثير من العلماء السطحيين.

أما مؤيدوها، فلم يكونوا يجرأون على الإفصاح عن رأيهم بفلسفة الملاصدرا، وقد استمر الوضع، على هذا المنوال حتى تأسيس الحوزة العلمية في قم، إذ يقول الإمام الخميني قدس سره:"عندما جئنا إلى قم كان فيها الميرزا علي اكبر حكيم وكان يدرس الفلسفة، وعندما تأسست الحوزة العلمية في قم، قال أحد المقدسين: انظروا لقد وصل الإسلام إلى مرحلة فتحت فيها باب الميرزا علي اكبر".

ويقول الإمام الراحل إن علماء مثل السيد الخوانساري والاشراقي، كانوا من تلامذة الميرزا علي اكبر حكيم، وعندما توفي الميرزا، انبرى أحد الخطباء للدفاع عنه، فقال من على المنبر: لقد رأيت بأم عيني الميرزا علي اكبر ويتلو القرآن..هكذا كان حال الفلسفة تلك الأيام، حتى أن من كان يقرأ الفلسفة أو يدرسها كان يتعرض للتكفير، بل إن الناس كانوا يظنون أن الذي يحب الفلسفة لا يقرأ القرآن.

ورغم أن عصر الإمام الخميني شهد دورا بارزا لفلاسفة كبار في إحياء الفكر الفلسفي في إيران، إلا أن الإمام بما يمتلكه من خصوصيات ينفرد بتا، مثل المرجعية العليا والقيادة السياسية وتخطي الفلسفة والحكمة المتعالية إلى مرحلة الكشف والشهود والتصدي للتحجر في كل العلوم الدينية، كل هذه الخصائص ساعدت على إعطاء زخم جديد للفكر الفلسفي في العالم، وخاصة في إيران، كما كان لإعداد الإمام لمجموعة من تلامذته، أمثال الفيلسوف الشهيد مطهري دور هام في نشر الفكر الفلسفي في الحوزة العلمية قبل الثورة الإسلامية.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية شهدت الساحة الإيرانية إقبال الشباب على دراسة الفلسفة، وانتشر تدريسها في الحوزات العلمية والجامعات ويعود ذلك إلى دعم الإمام الخميني وإقرار الفلسفة كأحد الدروس الأساسية للحوزات العلمية في أنحاء إيران.

ولا يعني تأييدنا للفلسفة، القول بأن جميع كلام الفلاسفة صحيح ومقبول، إذ أن هذا الاستنتاج هو مرفوض أساسا من قبل الفكر الفلسفي، إذ حتى صدر المتألهين الشيرازي لم يكن فكره الفلسفي خاليا من الزلل والخطأ وعلى مؤيدي "الحكمة المتعالية" أن ينظروا بعين ناقدة إلى هذه الفلسفة، ليتمكنوا من سد النقص الذي تعانيه ويساعدوا في تكاملها.

إذن فإن النظرة الناقدة والمنصفة لأفكار الفلاسفة تؤدي إلى تكامل الفكر التعقلي، أما إحاطة الفلاسفة وأفكارهم بهالة من القدسية فيؤدي إلى ركود هذا العلم، وبالتالي ركود العلوم الإنسانية كلها.

 

 

العبور من الحكمة المتعالية إلى مرحلة الكشف والشهود

رغم ايلاء الإمام الخميني الراحل أهمية كبيرة ل"الحكمة المتعالية" التي قدمها صدرالمتألهين الشيرازي، إلا أنه لم يكتف بذلك، بل اعتبره مرحلة من المعرفة، وهناك مرحلة أسمى منها هي مرحلة الكشف والشهود كما يعبر عنها الإمام، ورغم أن الشيرازي توصل إلى "الحكمة المتعالية" على أساس الكشف والشهود، لكن ما يطلق عليه الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، والشواهد الربوبية والمشاعر والعشرية ومفاتيح الغيب والرسائل المتبقية منه، إنما هي معارف عقلية يصل إليها الإنسان عبر التفكير في مضامين هذه الآثار، لكن ما دام العقل لم يتنور بنور الشرع ولم يصل إلى منزلة الكشف والشهود، لن يدرك الحكمة المتعالية سوى الاستدلال الجاف، ذلك أن العقل لا يصل إلى لب الحقائق إلا بعد الفناء في المعلوم الخارجي والخروج من ستار الحجاب، لأن العقل والصورة الناتجة عنه هو حجاب بين الإنسان والحقيقة.

وعلى هذا فإن الدراسة المتمعنة لكتب الشيرازي لا توصل الإنسان إلى مرحلة الحكيم المتأهل، بل إن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب التخلي عن الذات والفناء في الحق.

وفي تفسيره لسورة الحمد، وبعد إقامة الإمام الخميني للبراهين حول الأسماء والصفات الإلهية على أساس الحكمة المتعالية يقول حول أهمية الكشف والشهود: الذين أقاموا البراهين على أساس الحكمة المتعالية، وليس الفلسفة المعروفة، لم يتوصلوا إلى ما توصل إليه الأولياء بسلوكهم من منازل العرفان ومشاهدتهم لحقيقة هذه المعارف.

 

مكافحة التفلسف:

بما أن الإمام الخميني قدس سره امتاز بإحاطته بعلوم الفقه والأصول والعرفان والكلام والفلسفة إحاطة شاقة، فإن كتبه وخطاباته تتضمن كل هذه العلوم، كل حسب أهميته ومنزلته.

وإذا كان علم الكلام والفلسفة والعرفان تشترك في بعض المباحث التي يخوض فيها كل من المتكلمين والفلاسفة والعرفاء، كل بطريقته الخاصة، فإن الإمام الخميني وكما هو صدرالمتألهين الشيرازي أوجد ترابطا قويا بين هذه العلوم لدرجة يصعب معها رسم حدود بينهما، لم يكن ينظر من زاوية أحد هذه العلوم، بل كان فيلسوفا عارفا وعارفا فقيها، وفقيها أصوليا، ولهذا فقد وقف بوجه ظاهرة التفلسف، فهناك الكثير من المفكرين، على مر العصور، ينظرون إلى العالم حولهم من زاوية واحدة، وهنا يكمن  منشأ أكثر الانحرافات العقائدية.

يقول الإمام الخميني في معارضته الاقتصار على واحد من العلوم: "كل من تعلم علما أدركه أو قرأه حسب أن الكمالات كلها محصورة في هذا العالم، فالفقيه يحسب أن لا وجود لشيء في العالم غير الفقه، والعارف يتصور أن لا وجود لغير العرفان، والفيلسوف كذلك، وكذلك المهندس يتصور أن العلم هو ما يشاهده ويجربه، ولا يعتبر غير ذلك علما أنه حجاب كبير لنا جميعا، انه حجاب العلم الذي هو أسوأ حجاب، فالعلم يصبح عقبة، يصبح عقبة في طريقه بدل أن يقوم بهدايته، هذا ما تفعله العلوم الرسمية، فبدلا من أداء دورها الطبيعي تشكل حجابا أمام الإنسان وتجعله معتزا بذاته". ثم يقول:"البعض يخاف من المسائل الفلسفية وكأنها أفعى، وكذلك ينفر الفيلسوف من العرفان وكذا العارف".

 

الفلسفة وسيلة وليست هدفا

رغم ايلائه أهمية كبرى للفلسفة، إلا أنه كان دائم التأكيد بأنها ليست هدفا، بل يعتبرها وسيلة لمعرفة حقائق الوجود، والاكتفاء بهذه المرحلة لا يودي إلى نتيجة عملية للفيلسوف،وازدياد إيمانه وحركته باتجاه التكامل الإنساني وبلوغ منزلة خلافة الله. بل إن إدراك الفيلسوف لحقائق الوجود يجب أن يتبعه تصديقه لها، أي إيمانه بتا، ذلك أن هذا الإيمان هو منشأ حركة وتكامله.

 


2009/04/29    /    الرقم : 534807    /    عرض التعداد : 1317







البحث
البحث الرقي البحث في وب
banners
ايت الله خامنه اي

دائرة المعارف الاسلامية

رياسة الجمهورية الاسلامية الايرانية

الاستبيان

وكالة الانباء القرآنية العالمية

س.اي.د
vote
الاستطلاع مغلق
UsersStats
زائر الصفحة: 176966
زوار اليوم : 9
زائر الصفحة : 243992
الزوار المتواجدون الآن : 1
وقت الزيارة : 1.3906

الصفحة الرئيسية|إيران|الاسلام|اللغة الفارسیة و آدابها|اسئله و الاجوبه|اتصل بنا|الاتصالات|خريطة الموقع